الأربعاء، 22 أغسطس 2012

بدعة تثبيت وقت الظهر


     مواقيت الصلاة حددها الشارع الحكيم بربطها بالكون، و جاء  في ذلك قوله سبحانه و تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل و قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا"و حديث النبي صلى الله عليه و سلم في صحيح مسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لن يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغيب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس"، وفي رواية "وقت العشاء إلى نصف الليل".
   و من أقوال العلماء:
قال ابن المنذر : "أجمعوا على أن أول وقت الظهر زوال الشمس"اهـ .

وقال ابن عبدالبر : "أجمع علماء المسلمين في كل عصر وفي كل مصر بلغنا عنهم أن أول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء ووسط الفلك... وهذا إجماع من علماء المسلمين كلهم في أول وقت الظهر، فإذا تبين زوال الشمس بما ذكرنا أو بغيره فقد حلّ وقت الظهر، وذلك ما لا خلاف فيه" اهـ . 
وممن حكى الإجماع –أيضاً على أن الزوال هو أول وقت الظهر-: السرخسي وابن رشد الحفيد و ابن قدامة والنووي والشوكاني رحمهم الله أجمعين.

   و استنادا إلى هذه الثوابت المعلومة من الدين بالضرورة، حدد أهل الاختصاص في هذا المجال وقت كل صلاة بدقة متناهية لا مجال فيها للاجتهاد، و وضعوا لذلك رزنامة توزع مع بداية كل سنة على كل المساجد، لتعلق مباشرة في المكان الذي يقوم فيه المؤذن لرفع الآذان، و لكن لأن البلوى عمت بهذه البدعة حتى أصبحت من المسلمات، فلو رُفع الآذان في وقته الحقيقي لأنكره الناس. فإذا جاز التأخير هكذا لغير سبب، فما الذي يمنع تقديمه قبل وقته؟ و إذا جاز هذا أو ذاك في آذان الظهر فإنه بالضرورة يجوز في باقي الصلوات و بذلك تصبح كل العبادات قابلة للتغيير فيها بما يوافق هوى فئام من الناس "ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أهم يحسنون صنعا"
   و لكي لا تكون للناس على الله حجة يوم القيامة في هذه المسألة، فإن كثيرا من الجرائد اليومية تخصص زاوية تنشر فيها هذه المواقيت، و أيضا مواقع إلكترونية، يعني أن هذه المسألة من المسلمات التي لا يختلف فيها اثنان.
لكن يجوز للإمام في شدة الحر من فصل الصيف أن يُبرد بالصلاة إلى ما بعد الزوال قليلا حتى لا يتأذى الناس من شدة الحر، قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم:‏ "‏إذا اشتد الحر ‏ ‏فأبردوا ‏ ‏عن الصلاة فإن شدة الحر من ‏ ‏فيح ‏ ‏جهنم"
بل أكثر من ذلك، يجوز للإمام ـ على قول بعض الفقهاءـ أن يؤخر الصلاة إذا افتقد بعض المداومين على صلاة الجماعة، و علم أنهم حبسهم عذر و سيحذرون.
المهم أن الإمام في يده أن يقدم الصلاة و يؤخرها بحسب ما تقتضيه المصلحة في غير اتباعٍ للهوى، و قد قرر العلماء في ذلك قاعدة فقهية مفادها أن أينما وجدت مصلحة الناس فثم شرع الله، و مصلحة الناس في شدة الحر تأخير الصلاة و "ذلك تخفيف من ربكم و رحمة" و "إن الله يحب أن تؤتى رخصه" و "عليكم برخصة الله التي رخص لكم".
أما في غير الحر أو أي عذر آخر فيجب أن تقام الصلاة في أول وقتها لقوله سبحانه: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" و قول النبي صلى الله عليه و سلم: "الصلاة في وقتها خير من الدنيا و ما فيها" و إلا "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون"
لكن الذي لا أجد له تفسيرا هو:
لماذا لا يرفع أذان الظهر عندنا ـ و في كثير من المساجد ـ إلا على الواحدة و النصف زوالا طول أيام السنة؟ علما بأن دخول وقت الظهر يزيد و ينقص، مثله مثل باقي الأوقات، و قد تظاهرت الأدلة ذلك.
أو لماذا يثبت وقت الظهر ولا تثبت باقي الأوقات أو بعضها ؟ ولماذا أصلا يُثبت هذا الوقت؟ و من ثبته؟ و ما دليله؟

نحن أمة الدليل، و الفقه عندنا توقيفي، و الأدلة تظاهرت على أن الظهر له وقت دخول مثله مثل باقي الأوقات، و ديننا مبني على أسس و قواعد فقهية لا مجال فيها للمزايدة، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دين، و ليس لأحد أن يجتهد في مسألة قضى الله تعالى فيها أمره أن "أقم الصلاة لدلوك الشمس" و الدلوك هو وقت زوال الشمس عن كبد السماء و بذلك يكون دخول الظهر، و هذا الوقت يختلف باختلاف المواسم و الشهور، بل كل يوم يزيد دقيقة أو ينقص.

أقل ما في هذه المخالفة الشرعية من الضرر الأخروي على الناس، أن النساء و أصحاب الأعذار الذين يصلون في البيوت أو في أماكن عملهم تفوتهم فضيلة أول الوقت، و أي فضيلة...!!!، يقول المصطفى صلوات الله و سلامه عليه: "الصلاة في وقتها خير من الدنيا و ما فيها". و قبل ذلك يقول الله سبحانه و تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" و في آية أخرى "حافظوا على الصلوات"، و من بين ما يجب المحافظة عليه في الصلوات هو أداؤها في أول وقتها لمن لا ينتظر الجماعة، و لا يجوز تأخيرها بغير عذر شرعي ـ فمن باب أولى لا يجوز تثبيتهاـ لأن في ذلك مفسدة عظيمة في دين الله.

أما إن كان شيء يجوز التوسع فيه، فهو في أمور الدنيا، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" أما الدين فإنه كامل و الحمد لله، يقول الله سبحانه و تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق